غوى بكر
في وطنٍ تتراكم فيه الأزمات، لم تعد النفايات مجرد مشهد عابر على الطرقات، بل أصبحت صورةً تختصر جانبًا من واقعٍ أثقلته الأزمات من كل جانب. كهرباء غائبة، أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية، مدارس تكافح للاستمرار، وعائلات ترزح تحت أعباء الحياة، وفوق كل ذلك أكوام من النفايات تنتظر حلًا لم يأتِ بعد.
وفي الشمال في طرابلس والضنية وعكار، تبدو المشكلة أكثر قسوة. أكياس مكدسة على جوانب الطرقات، ومكبات تتحول إلى مصدر للروائح والتلوث، ومع كل شتوة تتكرر المشهدية نفسها: تطفو النفايات فوق مياه الأمطار، وتنساب إلى الطرقات، وتسدّ مجاري التصريف، فتتحول الشوارع إلى بركٍ تختلط فيها المياه بالأوساخ، ويصبح السير أكثر صعوبة وخطرًا. وكأن الشتاء يأتي كل عام ليكشف من جديد حجم المشكلة وعجز الدولة أمام الحلول .
أزمة النفايات ليست مسؤولية عامل النظافة وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من المواطن الذي يرمي نفاياته، مرورًا بالبلديات والجهات المعنية، وصولًا إلى الدولة التي يفترض أن تضع خطة مستدامة لإدارة النفايات، تقوم على الفرز من المصدر وإعادة التدوير والمعالجة السليمة، بدل الاستمرار في الحلول المؤقتة.
لكن وسط هذا المشهد، هناك جنود مجهولون لا ينتبه إليهم أحد: عمال النظافة. أولئك الذين يبدأ يومهم قبل أن يبدأ يومنا، ويحملون عنا ما نرميه، ويعملون في الحر والبرد، وبين الروائح والأوساخ، حتى تبقى شوارعنا أكثر نظافة.
نحن نحتفل بالفنان، ونكرّم المبدع، ونصفق لمن يقف تحت الأضواء، وهذا حقهم. لكن ماذا عن الإنسان الذي يعمل بصمت ولا يطلب سوى لقمة عيش كريمة واحترام يليق بعمله؟
ربما آن الأوان، في يوم البيئة، ألا يكون الحديث عن البيئة مجرد شعارات وندوات، بل أن نخصص جائزة سنوية لـ«عامل النظافة المتميز»، تقديرًا لإخلاصه وتفانيه، مع درع وشهادة ومكافأة مالية. فالتكريم يجب أن يصل أيضًا إلى أولئك الذين يعملون خلف الأضواء ويحافظون بصمت على نظافة مدننا وقرانا.
فالبيئة لا تبدأ من الشارع، بل من الإنسان. تبدأ من طفل يتعلم ألا يرمي ورقة على الأرض، ومن أسرة تفرز نفاياتها، ومن بلدية تقوم بدورها، ومن دولة تضع حلولًا علمية ومستدامة وإيلاء هذا الملف المعقد أهمية ورؤية تحفيزية فعالة .
فليس كل من يستحق التصفيق يقف تحت الأضواء؛ أحيانًا يكون البطل هو ذلك الإنسان الذي يحمل عنّا ما نرميه، ويغادر بصمت، دون أن نعرف حتى اسمه.
