لميس شقير
«أنا بطريرك الموارنة، طائفتي لبنان، وأنا لكل اللبنانيين». بهذه الكلمات عرّف عن نفسه وهويته وانتمائه، شخصيةً مفصلية تجاوزت الإطار الكنسي، إذ جمع بين القيادة الدينية والرؤية السياسية. إنه أب لبنان الكبير الذي خطّ حدود مشروع الوطن منذ أكثر من مئة عام البطريرك إلياس بطرس الحويك، ناسج العلاقات مع فرنسا والكرسي الرسولي والقوى الدولية المحيطة للدفاع عن القضية اللبنانية بعد انهيار الدولة العثمانية.
في ذاك الوقت، تشكّلت الهويات وتغيّرت المجتمعات، وتجمّعت القوى لتبحث عن مكان لها في نظام دولي بدأ يتغيّر. وكان الحويّك من أوائل الذين استشرفوا مستقبل لبنان، فحمل رؤيته التي تتخطى المساحة الجغرافية إلى كيان له خصوصيته وفرادته التكوينية، التاريخية والثقافية، وله دوره في محيطه.
ولد البطريرك عام ١٨٤٣ في البترون، وانفتح على الفكر الكنسي العالمي، وعاد إلى لبنان مزوداً بمعرفة واسعة جعلته قادراً على الجمع بين الدين والسياسة التي كانت أعاصيرها تعصف بالمنطقة. أسس جمعية راهبات العائلة المقدسة المارونيات، وحين انتُخب بطريركاً للكنيسة المارونية أنشأ أبرشيات جديدة، ودعم المؤسسات التعليمية، كما دعم إنشاء مزار سيدة لبنان في حريصا، أبرز المزارات المريمية في لبنان والشرق.
لم يبقََ الحويّك داخل حدود الصرح البطريركي، بل حمل همّ الإنسان خلال المجاعة الكبرى، إحدى أسوأ الكوارث في تاريخ جبل لبنان. ففتح الأديرة والمؤسسات الكنسية لإيواء الجائعين، وباع مقتنيات كنسية، وخصص أموال البطريركية لشراء الغذاء، مقدماً المساعدة لجميع اللبنانيين دون تمييز، ومجسّداً قناعته بأن البطريركية «أم لجميع اللبنانيين». وقد عززت هذه التجربة إيمانه بضرورة قيام دولة قادرة على حماية شعبها وتأمين مقومات الحياة.
أما المحطة الأبرز التي كرّست اسم الحويك في تاريخ لبنان الحديث بوصفه أحد أبرز المدافعين عن قيام دولة لبنان الكبير فكانت مؤتمر فرساي عام ١٩١٩، حين توجهت شخصيات وطنية وإقليمية من «بلاد الشام» إلى فرساي للمطالبة بشكل المنطقة ومستقبلها السياسي.
كانت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى تعيد رسم خريطة المنطقة. فحمل الحويك مطالب اللبنانيين إلى المجتمع الدولي، ودافع عن قيام لبنان ككيان مستقل، رافضاً مشاريع ضمّه إلى الاتحاد السوري التي كانت تحظى بتأييد بعض الشخصيات اللبنانية وميلاً فرنسياً في البداية إلى هذا الطرح. لم يكن الوحيد الذي طرح فكرة صيغة قيام لبنان الكبير ككيان مستقل، لكنه نقلها إلى المستوى السياسي الدولي، ولا سيما من خلال لقائه جورج كليمنصو رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك.
كان من أبرز مطالب الحويّك في تلك المرحلة ضم جبل عامل، أي الجنوب، إلى الكيان، بهدف تحقيق توازن داخلي بين الطوائف والمناطق. وساهم في ترسيخ صيغة لبنان الكبير بحدوده التي تشمل بيروت وطرابلس وصيدا وصور والبقاع وجبل عامل، انطلاقاً من قناعته بأن الدولة لا تكتمل من دون عمقها الجغرافي والاقتصادي وتوازنها الاجتماعي الداخلي.
من الدور الإنساني المسعف إلى دوره الوطني التأسيسي، وصولاً إلى دوره الديني تُوّج البطريرك الطريرك بتطويبه، بعد أن منحه البابا فرنسيس لقب «المكرّم». ولم يكن دوره التأسيسي السبب الكنسي المباشر للتطويب، فقرار التطويب استند إلى حياته الروحية، وفضائله البطولية، والمعجزة المنسوبة إلى شفاعته، وفق معايير الكنيسة الكاثوليكية لإعلان شخص «طوباوياً». وافق البابا لاون الرابع عشر عام ٢٠٢٦ على مرسوم يعترف بمعجزته، إضافة إلى عناصر استندت إليها الكنيسة، كحياته الروحية والكهنوتية، ومحبته وخدمته للناس، وتأسيسه رهبنة العائلة المقدسة المارونية.
ربما لم يكن رحيله إلّا جسدياً عام ١٩٣١، لأنه ذكراه اليوم حاضرة في لحظة حاسمة يُعاد فيها النظر برسم المنطقة، في ظل تغيّرات إقليمية ودولية وفي زمن إعادة توزيع النفوذ في الشرق أيضا…
عاد الحويك في موعد تطويبه ليقول للبنانيين: حافظوا على ما سعيت إليه، حافظوا على لبنان الكبير. لا يمكن فصل الجنوب ولا تهميش الأطراف، ولا الاستمرار في سياسات غبية مبنية على أي شيء إلّا الانتماء والهوية والمواطنة. وكأنه عاد ليتكلم بأرواح ضحايا لبنان عبر الكنيسة الجامعة ليقول: كفى خراباً ودماراً، كفى حروباً.
