طرابلس لا تطلب حصةً أكبر؛ بل دولةً لا طائفية للجميع

 

د. مصطفى قراعلي

ما جرى في ساحة النور لم يكن واقعةً محلية محدودة؛ كان لحظةً انكشف فيها نظامٌ كامل أمام مدينةٍ دفعت كلفته طويلًا. فالمدينة التي قيل لها إن مشكلتها في إسلامها وهويتها و”تشدّدها”، لم يُفقّرها اسم النبيّ محمد الذي أُخرج من الساحة في ظروفٍ مثيرة للشبهات، ولم يُهمّشها دينها.

ما انكشف في الساحة هو تناقض النظام نفسه: طائفيةٌ محصّنة في الدولة، و“مدنية” و”لاطائفية” تُستدعيان حين يُراد ضبط هوية المجتمع ومجاله العام. وفي نظامٍ يقوم على الزعيم والوسيط، تصبح المبادرة المدنية المستقلة تحدّيًا لمنطق المحاصصة نفسه؛ لأن المجتمع القادر على الفعل من دون إذن الزعيم يكسر احتكار الوسيط للعلاقة بين المواطن والدولة.

 

وهذه هي الخلطة التي خنقت طرابلس: طائفيةٌ في الدولة، وعلمنةٌ انتقائية للمجتمع، ووساطةٌ بين المواطن وحقّه.

حين تصبح الحصة بديلًا عن الدولة

ولهذا فخلاف طرابلس مع هذا النظام ليس نظريًا. لقد دفعت كلفته من اقتصادها وعمرانها ومؤسساتها ومستقبل أبنائها. فعلى مدى عقود، حوصرت المدينة اقتصاديًا وإنمائيًا، وأُفقرت وهُمّشت، فيما ظلّ أهلها أسرى الوسيط والزعيم للوصول إلى حقوقٍ يفترض أن تكفلها الدولة مباشرة. وليس الفقر هنا هامشًا في الحكاية؛ بل واحدٌ من أوضح أثمان هذا النظام على طرابلس. ففي 2022، أفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن أكثر من 58 في المئة من سكان المدينة كانوا يعيشون تحت خط الفقر.

 

تحولت المؤسسة إلى باب، والزعيم إلى مفتاح، والحصة إلى بديل عن المواطنة.

كان للسنّة موقعٌ في الدولة، لكن طرابلس لم تكن لها دولة.

 

وهنا يبدأ السؤال عن أصل الحصة نفسها، لا عن حجمها.

من الحصة إلى القطيعة

الميثاق الوطني سنة 1943 ثبّت في دولة الاستقلال صيغة تقاسم السلطة بين الطوائف، وارتبط تاريخيًا ببشارة الخوري ورياض الصلح بوصفهما قطبي تسوية الاستقلال المعروفة بالميثاق الوطني. ومن هذه الصيغة ترسّخ منطق توزيع المواقع الكبرى على الطوائف.

وهنا يصل النقاش إلى جوهره :ماذا أعطت الحصة السنّية لطرابلس؟

ما فائدة أن تكون رئاسة الحكومة للسنّة إذا بقيت “عاصمة السنّة” مفقّرة، مهمّشة، ومحكومة بمنطق الوساطة؟ وما قيمة التمثيل الطائفي إذا بقي المواطن يطلب حقّه من الزعيم بدل المؤسسة، وبقيت المدينة ترزح تحت الاختناق الاقتصادي والإنمائي؟

رياض الصلح هنا هو رمز الجانب السنّي من تسوية 1943؛ ومن هذا الرمز تبدأ القطيعة.

 

لا نريد حصةً سنّية أكبر، ولا شروطًا أفضل داخل المحاصصة. نحن نرفض المبدأ نفسه.

 

لا نريد رئيس حكومة لأنه سنّي، ولا رئيس جمهورية لأنه ماروني، ولا رئيس مجلس لأنه شيعي. نريد أن يصل الأكفأ إلى الموقع، وأن يقف المواطن أمام المؤسسة مواطنًا لا ابن طائفة يبحث عمّن يتوسّط له.

من النفوس إلى النظام

وهذا ليس خروجًا على الدستور. فمقدمة الدستور تجعل إلغاء الطائفية السياسية هدفًا وطنيًا أساسيًا، والمادة 95 تنص على مسارٍ مرحلي لإلغائها وعلى استبدال التمثيل الطائفي، في مؤسسات الدولة، بمبدأي الاختصاص والكفاءة.

فلماذا تحوّل المؤقت إلى دائم؟

وحين تُوزَّع مواقع السلطة سلفًا على الطوائف، ويمرّ المواطن إلى الدولة عبر زعيم طائفته، لا يعود النظام مجرّد انعكاسٍ للطائفية الاجتماعية؛ بل يصبح هو نفسه مصنعًا لها.

ولهذا تبدو العبارة التي سمعناها طويلًا – “انزعوا الطائفية من النفوس قبل النصوص” – مقلوبةً على رأسها: فماذا لو كانت النصوص والأعراف والمؤسسات الطائفية نفسها هي التي تعيد إنتاج الطائفية في النفوس؟

 

من النظام أولًا؛ فالقالب غالب. حين يكون القالب السياسي طائفيًا، فإنه ينتج سياسةً طائفية، ثم يحتجّ بالواقع الذي صنعه ليبرّر استمراره. ولهذا لا نقبل أن تتحول “النفوس قبل النصوص“ إلى ذريعةٍ لتعليق مسار إلغاء الطائفية السياسية إلى أجلٍ غير مسمّى. فالدستور لم يشترط مجتمعًا بلا هويات دينية قبل إلغاء الطائفية السياسية؛ بل جعل إلغاءها هدفًا وطنيًا، ووضع لها مسارًا مؤسسيًا.

من الغضب إلى البناء

 

وهنا تعود ساحة النور إلى قلب السؤال. فمنها خرجت طرابلس في 2019 لتعلن رفضها لنظامٍ أنهكها، حتى سُمّيت يومها “عروس الثورة“. وبعد أعوام، تعود الساحة نفسها لتطرح سؤال المرحلة التالية: ماذا بعد الرفض؟ فالثورة التي لا تَعبُر من الغضب إلى البناء تتلاشى قبل أن تتحول إلى مشروع. وطرابلس اليوم تحتاج إلى أن تحوّل ألمها إلى تصوّرٍ جديد للدولة.

ثورة طرابلس الحقيقية، إذًا، ليست في انتزاع حصةٍ أكبر من نظام الحصص؛ بل في رفض الحصة نفسها.

لا نريد السراي للسنّة كما لا نريد بعبدا للموارنة. لا نريد دولةً موزعة سلفًا بين الطوائف، فيما تبقى المدن والناس خارجها. نريد دولةً واحدة في المشترك، تقوم على المواطنة والكفاءة.

وهذا لا يعني نزع الدين من المجتمع. لسنا أمام خيارين: محاصصةٌ في الحكم أو علمنةٌ للمجتمع. نحن نرفض الاثنين.

البديل واضح: دولة مدنية لاطائفية ولا علمانية؛ دولة بلا حصص طائفية، ومجتمع لا تُصادر معانيه.

في 1943 دخل السنّة، عبر رياض الصلح، في تسوية دولة الاستقلال. أما طرابلس اليوم فلا تطلب إعادة التفاوض على موقعها داخل تلك التسوية. فالمدينة التي دفعت كلفة المحاصصة فقرًا وتهميشًا ووساطةً لا تريد حصةً أكبر في النظام الذي خنقها.

 

لم نعد نفاوض على موقع طرابلس داخل الميثاق القديم.

 

طرابلس لا تريد حصةً أكبر في النظام؛ تريد نهاية نظام الحصص نفسه.

 

 

* دكتوراه في تاريخ وفلسفة العلوم، محاضر سابق في جامعة هارفارد، ومؤسس مبادرة طرابلس أولًا.