الإعلامية مايا إبراهيم

 

ثَمّة مشاهد لا تمرّ أمام العين ثم تنتهي، بل تستقرّ في الضمير وتترك وراءها سؤالًا لا يهدأ: أيُّ معنى للإنسان حين تتحوّل قدرته على القتل إلى مصدرٍ للمتعة؟

في السماء أسرابٌ تعبر مسافات طويلة، تحملها غريزة الحياة من مكانٍ إلى آخر، وعلى الأرض بنادق تنتظر عبورها. طيورٌ لم تأتِ لتقاتل، ولم تحمل تهديدًا لأحد؛ كل ما تملكه جناحان، وكل ما تريده أن تعبر السماء وتبقى حيّة.

في العريضة، في سهل عكّار، تتجلّى صورةٌ من ظاهرةٍ أوسع، حين تتحوّل السماء أمام إطلاق النار الكثيف إلى ساحةٍ مفتوحة للموت.

أيُّ شجاعةٍ تلك التي تحتاج إلى بندقية كي تنتصر على جناحين؟

وأيُّ انتصارٍ في إسقاط طائرٍ لا يستطيع الدفاع عن نفسه؟

المفارقة أن الإنسان نفسه يقول عن صاحب القلب الرقيق: «قلبه قلب عصفور». فكيف يصبح العصفور، رمز الوداعة والبراءة، هدفًا لبندقية؟ وكيف نرى الرقة فضيلةً حين تسكن فينا، ثم نستبيحها حين تسكن في كائنٍ آخر؟

الطائر الذي يسقط من السماء ليس مجرّد جسد. إنه فردٌ من سرب، وقد يكون رفيقًا أو أبًا لفراخ تنتظر عودته. نحن لا نرى سوى لحظة سقوطه، لكن الطبيعة تعرف الغياب الذي خلّفه.

والأخطر أن يتحوّل ضعف الكائن إلى سببٍ لاستسهال قتله. كأنّ من لا يستطيع الكلام لا يتألّم، ومن لا يستطيع الشكوى لا يستحق الحماية.

وهنا يصبح السؤال أعمق من المشهد نفسه: ماذا يحدث للإنسان حين يجد لذّته في امتلاك القوة على كائنٍ أعزل؟

أن يُقتل كائنٌ حيّ لمجرّد القدرة على قتله ليس بطولة، ولا شجاعة، ولا استعراضًا للقوة. فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك السلاح، بل في القدرة على إدراك حرمة الحياة، حتى حين تكون حياةً لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

وهنا لا تعود المسألة شأنًا بيئيًا فحسب، بل مسؤولية دولةٍ يُفترض أن تحمي القانون كما تحمي الحياة. فحين يُترك الرصاص طليقًا في السماء، قرب الناس والبيوت، يصبح الصمت الرسمي تهاونًا، ويصبح غياب الردع مشاركةً غير مباشرة في العبث. حماية الطيور ليست ترفًا؛ إنها جزءٌ من احترام القانون، وصون الطبيعة، وحماية الإنسان نفسه.

السماء ليست مشاعًا للبنادق.

والطبيعة ليست ملكًا لمن يحمل سلاحًا.

والرحمة ليست ضعفًا؛ إنها القدرة على امتلاك القوة ثم اختيار ألّا نستخدمها ضد الأضعف.

قد يسقط طائرٌ في ثانية، وينتهي صوت الرصاصة.

لكن يبقى السؤال:

حين تصبح حياةُ الأضعف تسلية، ماذا يبقى من معنى القوّة؟

كان يملك جناحين فقط.

وكان يريد أن يعيش.