بقلم فؤاد بوجي

ليست الأزمة في لبنان نتيجة طبقة سياسية عاجزة عن اتخاذ القرار، بل نتيجة طبقة سياسية أتقنت بدقة فنّ تجنّب القرار دون انهيار النظام بالكامل.
ما يبدو كفوضى أو عجز هو في الواقع شكل من أشكال التوازن. البلد لا يتقدم، لكنه لا ينهار كلياً أيضاً. هذا التوازن ليس صدفة، بل هو نتيجة ما يمكن وصفه بـ الشلل المُدار: تفاهم غير معلن بين القوى الأساسية على أن أي قرار حاسم سيؤدي إلى إعادة توزيع للسلطة بطريقة لا يمكن لأي طرف تحملها.
لهذا السبب تتكرر الأزمات في لبنان دون حلول. الفراغ الرئاسي، التعطيل الحكومي، الشلل المالي—ليست هذه انقطاعات في النظام، بل هي آلية عمله. كل أزمة تولّد ضغطاً، لكنها في الوقت نفسه تعيد ترسيخ قواعد الاحتواء: لا رابح كامل ولا خاسر كامل.
تعمل الطبقة السياسية ضمن منطق واضح من التعطيل المتبادل. كل كتلة تمتلك قدرة كافية على منع الآخرين، لكنها لا تمتلك الشرعية أو التماسك الكافي لفرض تسوية نهائية. النتيجة هي استقرار داخل عدم الاستقرار—نظام يمكن التنبؤ بسلوكه رغم فوضويته الظاهرة.
غالباً ما يُنظر إلى العامل الخارجي كعنصر حاسم في الشأن اللبناني، لكن هذا التوصيف يتجاهل البنية الداخلية للشلل. التأثير الخارجي موجود، لكنه يمر عبر قنوات داخلية قادرة على امتصاصه أو تأجيله أو تفريغه من مضمونه وفق حسابات داخلية دقيقة.
المشكلة الأعمق ليست في الخلاف السياسي، بل في انهيار الإطار المشترك الذي كان يسمح بتحويل الخلاف إلى قرار. المؤسسات لم تعد أدوات تحكيم، بل أصبحت ساحات لتعليق طويل الأمد للقرارات.
في هذا السياق، يصبح التأجيل خياراً عقلانياً. الإصلاح لا يُرفض بشكل مباشر، بل يُعاد تدويره وتخفيفه وتأجيله حتى يفقد معناه التنفيذي. حتى الانهيار نفسه يُدار بحذر: يُسمح له بالتمدد، لكن دون أن يصل إلى نقطة تفرض إعادة تصميم شاملة.
هذه هي جوهر الشلل المُدار: نظام يستمر عبر ضمان أن كل بديل للشلل يبدو أكثر خطورة من الشلل نفسه.
الطبقة السياسية إذن ليست غائبة، بل نشطة للغاية، لكن نشاطها موجّه نحو الحماية لا التغيير. السلطة لا تُستخدم للحكم، بل لمنع الآخرين من الحكم.
والنتيجة دولة تعمل بالحد الأدنى، لكنها تمنع بشكل منهجي أي انتقال إلى توازن جديد. لبنان ليس عالقاً لأنه يفتقد الفاعلين السياسيين، بل لأنه يملك عدداً كبيراً منهم يمتلكون حق التعطيل، ولا أحد يملك مصلحة حقيقية في كسر الجمود.
ما لم يتغير هذا المنطق، سيبقى الشلل ليس فشلاً في النظام، بل أحد أهم إنجازاته التي يجيد الحفاظ عليها.

By momar71

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *