بقلم محمد جارودي

كيف يؤلمنا الوطن ونحن نحبه؟ الإجابة تكمن في أن الوطن ليس مكاناً نمر به، بل هو شيء يسكننا كما تسكننا أسماؤنا الأولى؛ فإذا اختل توازن الوطن، لم يعد الألم مجرد ضجيج حولنا، بل أصبح وجعاً مقيماً فينا.
حين يتحول الأمان إلى مجرد احتمال، والحق إلى مطلب عسير، تصبح الحياة عبئاً يومياً نمد أيدينا إليه لنعود بها مثقلة بالفراغ. ومع ذلك نبقى؛ لا لأننا نجهل الواقع، بل لأننا نراه ولا نستطيع منه فكاكاً، كأن بيننا وبين هذه الأرض وعداً خفياً بأن نتحمل بعضنا مهما اشتد الوجع.
شهدنا اياما لم تكن عابرة؛ طرقات أُقفلت، ودخان ارتفع كلغة وحيدة للغضب، ومواجهات تعكس أعصاباً باتت على حافة الانفجار. كان الشارع في مواجهة نفسه، وكانت بيروت كعادتها تفهمنا لأنها تشبهنا؛ تتعب ولا تعترف، تنكسر ولا تنهار، تخفي شقوقها تحت ضجيجها وتمضي.
إن بيروت تُرمم اليوم بالحياة نفسها: بفنجان قهوة بعد تعب، وبخطوة ثابتة نحو العمل رغم الإرهاق، وبضحكة صغيرة في وجه يوم ثقيل. إن العذاب فوق شفاه تبتسم ليس تناقضاً، بل هو “حيلة البقاء” التي يتقنها اللبناني؛ أن يحمل ما يكسره دون أن يمنح الانكسار لذة الانتصار، وأن يصرخ بصمت رغم كل شيء: “نحن هنا.. ما زلنا هنا”.

By momar71

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *