د. مصطفى قراعلي*

 

إخراج اسم النبي محمد ﷺ من ساحة النور لم يكشف أزمة مجسّم، بل أزمة نظام.

فما إن اعترضت طرابلس على إخراج الاسم حتى عاد الخطاب نفسه: المشكلة في إسلام المدينة، وفي حضورها الديني، وفي رفضها أن تصبح مدينةً منزوعة المعنى باسم “المدنية”.

لكن طرابلس ليست هي المتهمة هنا. المتهم هو النظام الذي حاصرها بالمحاصصة والوساطة، وتركها للفقر والتهميش، ثم يرغمها على التخلّي عن هويتها ثمنًا للخروج من هذا الحصار.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل أَفقر الإسلام طرابلس، أم النظام الطائفي الذي حكمها؟

 

دولة لم تدخلها طرابلس على قدم المساواة

 

طرابلس لم تدخل لبنان الكبير من موقع متكافئ. حين أنشأت فرنسا دولة لبنان الكبير سنة 1920، أُلحقت طرابلس بالدولة الجديدة، فيما توثق الدراسات تفضيل الموارنة في وظائف الإدارة الناشئة وبناء نظام سياسي ذي توزيع طائفي واضح. كما تصف دراسة أكاديمية حديثة طرابلس بأنها فقدت بعد ضمها إلى لبنان الكبير جانبًا من أهميتها وتحولت من مركز إقليمي إلى مدينة ثانوية.

وبعد الاستقلال لم تُهدم البنية الطائفية؛ بل أُعيد تثبيتها داخل الدولة. فترسخ توزيع السلطة على أساس الانتماء الديني، واستقر عرف رئاسة الجمهورية للموارنة، فيما وُزّعت الرئاستان الأخريان طائفيًا بين السنّة والشيعة، وبقي الانتماء الطائفي حاضرًا في توزيع النفوذ والتمثيل.

 

أي إن تراجع طرابلس لم يبدأ من إسلامها. بدأ من موقعٍ فُرض عليها داخل دولة وُلدت بميزان سياسي لم تصنعه هي.

 

إسلام طرابلس ليس المتهم

وبعد قرن، لا تحتاج النتيجة إلى كثير شرح. تصف الأمم المتحدة طرابلس بأنها مدينة تعاني تهميشًا مزمنًا، وكان أكثر من 58 في المئة من سكانها تحت خط الفقر عام 2022. وفي مبادرتها الحالية للمدينة تضع الأمم المتحدة التهميش والممارسة السياسية بين جذور التوتر فيها.

ثم يُقال لطرابلس إن مشكلتها في إسلامها.

 

لا. إسلام طرابلس ليس المتهم. الإسلام لم يصنع المحاصصة، ولم يحوّل الدولة إلى حصص، ولم يجعل المواطن محتاجًا إلى زعيم كي يصل إلى حقه، ولم يفرض على المدينة أن تمرّ في كل شأن عبر وسيط سياسي.

 

هذا ما صنعه النظام الطائفي.

 

من غطّى؟

وفي ساحة النور ظهر هذا النظام مصغّرًا أمامنا: مدينةٌ لها معنى، وسلطةٌ محلية مرتبطة بشبكات السياسة تتصرف في هذا المعنى من فوقها.

وفي حملة “من غطّى؟”، عبر صفحات طرابلس أولًا، خرجت المسؤولية السياسية من العموميات إلى المواقف المعلنة. فقد وثّقت الحملة بالصوت والصورة موقف النائب أشرف ريفي المؤيد لـ”نقل” الاسم من ساحة النور، كما وُجّه إلى النائب طه ناجي سؤال مباشر عن بقاء اسم النبي محمد ﷺ في الساحة، فلزم الصمت ولم يعلن تأييده لبقائه. وهنا صار السؤال علنيًا: هل وفّرت هذه المواقف غطاءً سياسيًا للمسار الذي انتهى إلى الإزالة؟ ولماذا غاب موقف نيابي واضح يطالب بإعادة الاسم؟

أما عبد الحميد كريمة، فوصل إلى رئاسة البلدية بعد أن ترأس لائحةً دعمتها قوى ونواب سياسيون في المدينة، بينهم أشرف ريفي وطه ناجي، في سياق انتخابي أحاطت به اتهامات بالتلاعب ودعوات إلى إعادة الانتخابات. لذلك لا يمكن قراءة إخراج الاسم كقرار بلدي منفصل عن البيئة السياسية التي أنتجت هذه السلطة المحلية واحتضنتها.

 

هكذا تعيش طرابلس المحاصصة: نفوذ سياسي في الأعلى، وسلطة محلية تمارسه في المدينة.

 

والمسألة أكبر من شخص. حين تتكرر الوساطة والمحاصصة، ويرتبط القرار المحلي بالشبكات السياسية نفسها، لا يعود الخلل حادثةً إداري. يصبح النظام نفسه هو القضية.

 

وساحة النور كشفت هذا النظام في أخطر مواضعه: حين لم يعد يكتفي بإدارة طرابلس، بل بدأ يتدخل في معنى طرابلس نفسها.

هنا يجب أن ينتهي قلب الاتهام. تُترك طرابلس لعقود من الفقر والتهميش وضعف المؤسسات، ثم يُقال لها إن مشكلتها في إسلامها، وإن عليها أن تمحو حضور دينها في المجال العام لكي تصبح “مدنية”، فيما الدولة نفسها ما زالت توزّع السلطة على أساس طائفي.

 

ولا يحتاج إسلام طرابلس إلى شهادة أهلية للعلم أو المدنية أو التعدد. القضية هنا ليست محاكمة هوية المدينة، بل مساءلة النظام الذي حكمها.

 

المطلوب تغيير القاعدة

لذلك تنقلب المعادلة في طرابلس: ليست هوية المدينة هي التي تحتاج إلى الإصلاح؛ النظام الذي حكمها هو موضع المساءلة.

نظامٌ حوّل الطوائف إلى حصص، والحقوق إلى وساطات، والدولة إلى أبواب لا تُفتح إلا عبر الزعيم؛ ثم يريد أن يعلّم طرابلس كيف تكون مدنية. وحتى النص الدستوري اللبناني نفسه ينص على أن إلغاء الطائفية السياسية هدفٌ وطني أساسي، فيما ترسم المادة 95 مسارًا مرحليًا لتحقيقه.

والجواب ليس حصةً سنية أكبر داخل النظام نفسه. فالحصة الأكبر لا تهدم المحاصصة؛ بل تبقيها مكانها.

 

المطلوب تغيير القاعدة: دولة لا تملكها الطوائف، ومجتمع لا تَملِك الدولة معانيه.

ومع بقاء السؤال: من أخرج اسم محمد ﷺ من ساحة النور؟ صار السؤال أكبر: أيّ دولة يمكن أن تقبل بها طرابلس بعد اليوم؟

ولهذا لا تكتفي طرابلس هذه المرة بالاعتراض، ولا تقبل بالعودة إلى شروط النظام الذي أوصلها إلى هنا. بل صار على طرابلس أن تضع بنفسها شروط الدولة المدنية التي تقبل بها، وحدود السلطة التي ترفض تجاوزها، ومجال المجتمع الذي ترفض أن تصادر الدولة معناه.

* دكتوراه في تاريخ وفلسفة العلوم، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا (IIUM)

محاضر سابق في جامعة هارفارد، ومؤسس مبادرة طرابلس أولًا