العروبة الحضارية إطارٌ جامعٌ للهوية والثقافة والإسلام رسالةُ رحمةٍ وعدلٍ وكرامة وكلاهما يرفضان الإذلال والتبعية ويؤكدان حق الإنسان في الحرية والعزة والسيادة على أساس العدل والكرامة والتعاون بين الشعوب
ليست العلاقة بين العروبة والإسلام علاقة مصادفة تاريخية ولا ارتباطًا فرضته ظروف الجغرافيا أو تعاقب الأزمنة بل هي علاقة تفاعل عميق أسهم في بناء واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية فقد احتضنت العروبة رسالة الإسلام ومنحتها لغةً خالدة حملت القرآن الكريم إلى العالم بينما منح الإسلام للعروبة أفقًا حضاريًا وأخلاقيًا تجاوز حدود القبيلة والإقليم لينطلق بها نحو رسالة إنسانية عالمية تقوم على العدل والرحمة وصون الكرامة الإنسانية
العروبة في مفهومها الحضاري ليست عصبيةً عرقية ولا دعوةً إلى الانغلاق أو التفوق القومي وإنما هي فضاء ثقافي ولغوي وتاريخي يجمع شعوبًا متعددة الأصول والأعراق توحدها اللغة العربية وتربطها ذاكرة حضارية مشتركة وتطلعات متقاربة نحو مستقبل أكثر استقلالًا وازدهارًا وقد كانت الحضارة العربية في أوج ازدهارها نموذجًا للتعددية والانفتاح حيث أسهم العرب وغير العرب والمسلمون والمسيحيون وأتباع الديانات الأخرى في بناء صرح علمي وفكري امتدت آثاره إلى مختلف أنحاء العالم
أما الإسلام فقد جاء ليحرر الإنسان من عبودية الإنسان ويؤسس لمجتمع يقوم على العدل والمساواة والتكافل ولم يجعل معيار التفاضل بين البشر لونًا ولا نسبًا ولا قومية بل جعل التقوى والعمل الصالح والخلق الكريم أساسًا للقيمة الإنسانية ومن هنا فإن الإسلام لا يتعارض مع الانتماء الوطني أو القومي بل يهذب هذا الانتماء ويجعله وسيلةً لخدمة الإنسان وتحقيق الخير العام بعيدًا عن التعصب والظلم والإقصاء
وعندما التقت العروبة بالإسلام نشأت حضارة مزجت بين قوة الهوية ورحابة الرسالة ففي بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة والقيروان ازدهرت العلوم والفلسفة والطب والهندسة والفلك والأدب ووجد العلماء والمفكرون بيئةً تحتضن الإبداع وتكرم العقل ولم تكن تلك النهضة حكرًا على فئة أو قوم بل كانت ثمرة تعاون بين شعوب وثقافات متعددة اجتمعت تحت مظلة حضارية تؤمن بالعلم وتوقر الإنسان
إن العزة التي يدعو إليها الإسلام والكرامة التي تؤكدها العروبة الحضارية ليستا دعوة إلى الهيمنة على الآخرين وإنما هما رفض للخضوع والإذلال والتبعية فالكرامة لا تتجزأ وحرية الأوطان لا تنفصل عن حرية الإنسان ولذلك فإن الأمة التي تفقد استقلال قرارها السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي تصبح عاجزة عن أداء رسالتها الحضارية مهما امتلكت من الثروات والإمكانات
لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تؤمن بذاتها وتحافظ على هويتها مع انفتاحها الواعي على العالم هي الأقدر على التقدم والمساهمة في الحضارة الإنسانية أما الأمم التي تتخلى عن لغتها وثقافتها وقيمها أو تجعل التبعية خيارًا دائمًا فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على الإبداع وصناعة المستقبل
وفي زمن العولمة والتغيرات المتسارعة تبرز الحاجة إلى تجديد مفهوم العروبة الحضارية بحيث تكون إطارًا للتكامل الثقافي والعلمي والاقتصادي بين الشعوب العربية بعيدًا عن الانقسامات والصراعات كما تبرز الحاجة إلى استلهام القيم الإسلامية في العدل والرحمة والأمانة واحترام الإنسان باعتبارها قيمًا قادرة على الإسهام في معالجة كثير من الأزمات الأخلاقية والإنسانية التي يشهدها العالم
ولا يعني هذا الانغلاق على الذات أو رفض التعاون مع الأمم الأخرى بل على العكس فالحضارة العربية الإسلامية في أزهى عصورها كانت منفتحة على مختلف الثقافات تستفيد منها وتضيف إليها وتترجم علومها ثم تطورها وتبدع فيها فالحوار الحضاري والتبادل الثقافي لا يتناقضان مع الاعتزاز بالهوية بل إن الهوية الواثقة هي الأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين
إن التحديات التي تواجه الأمة اليوم من احتلالٍ لبعض الأراضي وصراعاتٍ داخلية وتحدياتٍ اقتصادية وتخلفٍ علمي لا يمكن تجاوزها إلا بمشروع نهضوي يعيد الاعتبار للإنسان ويستثمر في التعليم والبحث العلمي ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات ويجعل العدالة الاجتماعية أساسًا للاستقرار والتنمية فنهضة الأمم لا تُبنى بالشعارات وحدها وإنما تُبنى بالعمل والعلم والإدارة الرشيدة واحترام الحقوق وصيانة الحريات
إن العروبة والإسلام في جوهرهما الحضاري ليسا مشروعًا للمواجهة مع العالم بل مشروعًا للمشاركة في صناعة عالم أكثر عدلًا وإنسانية فهما يدعوان إلى التعارف بين الشعوب وإلى التعاون على الخير وإلى نصرة المظلوم وإغاثة المحتاج وإقامة العلاقات بين الأمم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة بعيدًا عن الاستعلاء أو الاستغلال
وفي الختام فإن الحفاظ على العروبة الحضارية والإسلام القائم على الرحمة والعدل ليس مجرد وفاء للماضي بل هو استثمار في المستقبل فالأمم التي تعرف جذورها وتقرأ تاريخها بعين ناقدة وتستخلص منه أسباب القوة والنجاح تكون أقدر على بناء الغد ومن هنا فإن العروبة والإسلام يظلان ركيزتين متكاملتين لهوية حضارية تؤمن بالكرامة الإنسانية وترفض الإذلال والتبعية وتسعى إلى بناء مجتمع الحرية والعدالة والعلم مساهمةً في خير الإنسانية جمعاء
الشيخ سليمان الاسعد وادي خالد عكار
