ما من دواء : ثغرات الرعاية الصحية تهدّد الأرواح مع تصاعد العنف في جنوب السودان

ما من دواء : ثغرات الرعاية الصحية تهدّد الأرواح مع تصاعد العنف في جنوب السودان

يكشف تقرير جديد صادر عن منظمة أطباء بلا حدود، تحت عنوان “متروكون في خضمّ الأزمة: تصاعد العنف وانهيار الرعاية الصحية في جنوب السودان”، عن تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية التي يواجهها سكان جنوب السودان، في وقتٍ يتواصل فيه تراجع الاهتمام والدعم الدوليين.
يستند التقرير إلى بيانات طبية روتينية، إلى جانب شهادات لمرضى ومرافقين وأفراد من المجتمع المحلي وعاملين صحيين يعيشون في مناطق عمل أطباء بلا حدود، ويسلِّط الضوء على الأثر الإنساني العميق الذي يخلّفه تعثّر النظام الصحي والاستجابة الإنسانية.
وفي هذا الصدد، تقول رئيسة العمليات الميدانية لأطباء بلا حدود في جنوب السودان، د. سيغريد لامبرغ، “يعيش نظام الرعاية الصحية في جنوب السودان حالة إنهاك تدفع به إلى الانهيار. ففي كل موقع تعمل فيه أطباء بلا حدود، تصطدم فرقنا بفجوات هائلة في الخدمات الصحية. المرافق الصحية إما خرجت عن الخدمة أو تعاني نقصًا حادًا في الموارد. ومع هذا النقص المزمن في الأدوية والكوادر الطبية، يموت الناس بسبب أمراض يمكن علاجها والوقاية منها. ما تحتاجه المرافق الصحية اليوم هو دعم ملموس على الأرض، لا دعمًا يُسجَّل على الورق فقط”.
وقد شهد هذا العام تصاعدًا حادًا في العنف بين القوات الحكومية وقوات المعارضة والجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مسجّلًا أسوأ تدهور في الأوضاع منذ توقيع اتفاق السلام عام 2018. وأسهم هذا التصعيد، وما رافقه من هجمات على المرافق الصحية من جميع أطراف النزاع، فضلًا عن القيود المفروضة على الوصول، في تعميق العراقيل أمام إيصال المساعدات وتقديم الرعاية الصحية.
ووفقًا للأمم المتحدة، تسبّبت موجات جديدة من العنف منذ يناير/كانون الثاني في نزوح أكثر من 320 ألف شخص ومقتل ألفين آخرين. وبين أبريل/نيسان ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، عالجت فرق أطباء بلا حدود في مدينة ملكال 141 مريضًا يعانون من إصابات بليغة، بينهم نساء وأطفال أصيبوا جرّاء أعيرة نارية.
وفي انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني، شهد عام 2025 ارتفاعًا صارخًا في الهجمات على المرافق الصحية من قبل جميع أطراف النزاع. فقد تعرّضت أطباء بلا حدود وحدها لثماني هجمات استهدفت مرافقها وفرقها في ولايات الاستوائية الوسطى وجونغلي وأعالي النيل، ما اضطرّنا إلى إغلاق مستشفيين في أولانغ وأولد فانغاك. وفي 3 ديسمبر/كانون الأول، تعرّض أحد مرافقنا للقصف الجوي في بلدة بييري بولاية جونغلي. وفي اليوم نفسه، وبعد بييري، شهدت فرقنا غارات جوية إضافية في بلدة لانكيين، حيث تدير المنظمة أيضًا مرافق للرعاية الصحية.
تواجه المجتمعات المحلية أزمات متشابكة ومتعدّدة، تشمل النزاع والنزوح واسع النطاق والفيضانات وسوء التغذية وتفشّي الأمراض، بما في ذلك أكبر موجة كوليرا شهدتها البلاد في تاريخها. ومع ذلك، واصل الدعم الدولي تراجعه في عام 2025، رغم تدهور الأوضاع المعيشية للناس وتراجع قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
لا يزال مشروع تحوّل القطاع الصحي، وهو مبادرة متعدّدة المانحين أُطلقت في يوليو/تموز 2024، يُشكّل الركيزة الأساسية لتقديم الرعاية الصحية في جنوب السودان. يُنفَّذ هذا المشروع بقيادة الحكومة مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف وشركاء آخرين، وكان يهدف في الأصل إلى دعم 1,158 مرفقًا صحيًا في عشر ولايات وثلاث مناطق إدارية. غير أنّ القيود التمويلية أدّت إلى تقليص عدد المرافق التي يدعمها البرنامج حاليًا إلى 816 مرفقًا فقط، وحتى هذه المرافق لا تزال تعاني نقصًا مستمرًا في الأدوية والكوادر.
وتروي إحدى مرافقات المرضى في توش لفرق أطباء بلا حدود، “سافرتُ من منطقة كوردينغ، واستغرقتُ في الطريق ساعة واحدة. يوجد هناك مرفق صحي صغير، لكن لا تتوافر فيه جميع الأدوية، وأحيانًا تنفد الإمدادات بسرعة كبيرة. أخذتُ الطفل إلى المركز الصحي لنكتشف أنّ ليس فيه أي دواء”.
هذا ولا تزال الملاريا تمثّل أحد أخطر التحديات الصحية في جنوب السودان، إذ تظلّ السبب الأوّل للمرض والوفيات لا سيما في صفوف النساء والأطفال. ورغم ذلك، وللسنة الثانية على التوالي، شهد عام 2025 نفادًا شاملًا لأدوية الملاريا في مختلف أنحاء البلاد خلال موسم الذروة. ومن دون الحصول على العلاج في الوقت المناسب، يمكن أن تتحوّل الإصابة بالملاريا سريعًا إلى مرض قاتل. وبين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2025، عالجت فرق أطباء بلا حدود 6,680 مريضًا بحالات شديدة من الملاريا استدعت إدخالهم إلى المستشفى.
على مدى سنوات، واجه جنوب السودان بعضًا من أشدّ الاحتياجات الطبية والإنسانية في العالم، وشهد عام 2025 تدهورًا ملحوظًا في الأوضاع. يستدعي هذا التصاعد في الاحتياجات تحرّكًا عاجلًا، إذ يتعيّن على المانحين الدوليين الوفاء بالتزاماتهم في دعم الجهود الصحية والإنسانية، كما يجب التصدي على وجه السرعة لأوجه القصور في البرامج القائمة.
في الحدّ الأدنى، لا بدّ من ضمان توفير الأدوية والمستلزمات الأساسية في الوقت المناسب وتأمين رواتب العاملين الصحيين. وفي خضم تصاعد العنف، يصبح من الضروري أيضًا ضمان الوصول الإنساني وحماية المدنيين واحترام المرافق الصحية. كما تدعو منظمة أطباء بلا حدود حكومة جنوب السودان إلى زيادة الموازنة الوطنية للصحة بما ينسجم مع التزامها في إعلان أبوجا الذي يقضي بتخصيص 15 في المئة للقطاع الصحي، علمًا أن النسبة المخصّصة للصحة حاليًا لا تتجاوز 1.3 في المئة فقط.
وتقول لامبرغ، “الوضع كارثي في البلاد. إنّ الاحتياجات العاجلة للناس في جنوب السودان تتطلّب تحرّكًا منسّقًا والتزامًا متجدّدًا وتضامنًا دوليًا صادقًا. لا يمكن للعالم أن يشيح بنظره، ولا سيما في هذا التوقيت”.

Leave a comment